السيد كمال الحيدري

177

اللباب في تفسير الكتاب

شهر ، بمعنى : العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره ، والذنب فيه أعظم منه في غيره ، وكما يُقال : إنّ الحرم أفضل من الحلّ لأنّه يتأدّى فيه المناسك ما لا يتأدّى في غيره ، والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة ممّا تُقام في غيره . فيكون معنى ( ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أمّ القرآن ) أنّ الله لا يعطى لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب ما يعطى لقارئ أمّ القرآن ، إذ الله سبحانه وتعالى فضّل هذه الأمّة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر ممّا أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه ، فيكون المراد من قوله ( أعظم سورة ) أي : في الأجر ، لا أنّ بعض القرآن أفضل من بعض » « 1 » . إلّا أنّ هذا البيان لا يمكن قبوله لأنّه مخالف لظواهر كثير من الروايات السابقة التي عبّرت أنّ سورة الفاتحة مثلًا مختصّة بالخاتم صلّى الله عليه وآله وأنّها أُنزلت من كنزٍ تحت العرش ، وغيرهما من الألسنة التي أُشير إليها في ما مرّ . لذا اختار المحقّقون من الفريقين أنّ جهة التفضيل إنّما هي في المحتوى والمضمون الذي اشتملت عليه هذه الآيات والسور . فإنّ تلك الآيات التي تشتمل على معارف التوحيد وبيان أسمائه وصفاته كآية الكرسي ( البقرة : 255 ) ، وآية ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) ( آل عمران : 18 ) ، وآية ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ) ( آل عمران : 26 ) ونحوها تفوق الآيات التي لا تحتوى مثل هذه الحقائق ، بمعنى أنّ ما تخبر عنه أسنى وأجلّ قدراً ؛ لذا تقدّم عن الإمام الرضا عليه السلام : « لأنّه ليس شئ في القرآن والكلام جُمع فيه جوامع الخير والحكمة ما جُمع في سورة الحمد » « 2 » .

--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ، مصدر سابق : ج 4 ص 136 ، مع تصرّف . ( 2 ) عيون أخبار الرضا ، مصدر سابق : ج 2 ص 114 ، باب 34 .